أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
100
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
رهبانية بتشريف بيته العتيق ، بأن أضافه إلى نفسه ، مع تنزهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد ؛ ثم جعل ما حوله حرما وحرم صيده وقطع شجره ، وجعل عرفات كالميدان لفناء حرمه ، فقصده عباده من كل أوب سحيق ، غبرا متواضعين لرب البيت مستكينين له ، خضوعا لجلاله واستكانة لعزته ، حتى تعبدهم بأمور لا يفهمون معناها : كترددات السعي ورمي الجمار ، تحقيقا لمقام العبودية ، وابتلاء لعباده ، ليمتاز المطيع عمن اتبع نفسه هواها ، وعمل بمقتضى الطباع ، واعتقدها أمورا فارغة عن الحكمة ، وليس كذلك ، بل لها حكم وأسرار تغفل عنها العقول ، ولهذا صار أبلغ أنواع التعبدات . الثاني : أنه ينبعث من الفهم المذكور ، الشوق بأن الأبصار الفانية قصرت عن النظر إلى وجه اللّه الكريم ، وصار ذلك في دار القرار ، جعل النظر إلى بيته في الدنيا سببا إلى استحقاق لقاء البيت في الآخرة بمقتضى وعده الكريم ، فيشتاق المحب إلى أسباب اللقاء . الثالث : العزم بأن يصحح عزيمته باخلاصه واجتناب كل ما فيه رئاء وسمعة ، وليحذر عن أن يقصد قرب البيت ويبعد عن رضا ربه . الرابع : أن تقطع وليس معناه ترك الوطن والأهل والأولاد والأموال ، بل رد المظالم ، والتوبة الخالصة للّه تعالى عن جملة المعاصي ، فإن كل عظيمة علاقة تنادي عليه : أين تقصد وأنت مضيع أمره في منزلك . الخامس : أن تقطع قلبك عن الالتفات إلى ما وراءك ، كما قطعت وجهك عن النظر إلى ما وراءك ، فتوجه إليك بقلبك كتوجهك بقالبك ، والا فليس لك منه الا النصب والعناء والتعب والشقاء ، وليذكر عند قطعه العلائق الظاهرة والباطنة توجهه إلى سفر الآخرة ، وليكتب وصية لأهله وأولاده ، إذ المسافر لعلى خطر الا ما وقى اللّه تعالى . السادس : يطلب الزاد والراحلة من موضع حلال ؛ وليذكر أن المسافر يطلب من الزاد ما لا يتغير في أول منزل ، بل لا يتغير على طول السفر ، فكذلك سفر الآخرة لا يصلح له زاد الا التقوى ، وما عداه يتخلف عند موته وكربه ؛